فخر الدين الرازي
80
تفسير الرازي
أتبعه بالكلام في المعاد ، لما بينا أن المطالب الكلية في القرآن ليست إلا هذه الأربعة . الثاني : أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة * ( وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم ) * ( الأعراف : 185 ) باعثاً بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده : * ( يسألونك عن الساعة ) * ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق ، فيصير ذلك حاملاً للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من هو ؟ قال ابن عباس : إن قوماً من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن وقتادة : إن قريشاً قالوا : يا محمد بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة ؟ المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة ، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق . المسألة الثالثة : أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء ، وهو سؤال عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى ، وفي اشتقاقه قولان : المشهور أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال : * ( أيان ) * سؤال عن الزمان ، وأين سؤال عن المكان ، فكيف يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر . والثاني : وهو الذي اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه ، لأن معناه أي وقت ولفظة أي ، فعل من أويت إليه ، لأن البعض آو إلى مكان الكل متسانداً إليه هكذا . قال ابن جني : وقرأ السلمي إيان بكسر الهمز . المسألة الرابعة : مرساها " المرسي " ههنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله تعالى : * ( بسم الله مجراها ومرساها ) * ( هود : 41 ) أي إجراؤها وإرساؤها ، والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا ؛ إذا ثبت . قال تعالى : * ( والجبال أرساها ) * ( النازعات : 32 ) فكان الرسو ليس اسماً لمطلق الثبات ، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلاً ومنه إرساء الجبل ، وإرساء السفينة ، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة ، بدليل قوله : * ( ثقلت في السماوات والأرض ) * ( الأعراف : 187 ) لا جرم سمى الله تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء . ثم قال تعالى : * ( قل إنما علمها عند ربي ) * أي لا يعلم الوقت الذي فيه يحصل قيام القيامة إلا الله سبحانه ونظيره قوله سبحانه : * ( إن الله عنده علم الساعة ) * ( لقمان : 34 ) وقوله : * ( أن الساعة آتية لا ريب فيها ) * ( الحج : 7 ) وقوله : * ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) * ( طه : 15 ) ولما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : متى الساعة فقال عليه السلام : " ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل " قال المحققون : والسبب في إخفاء الساعة عن العباد ؟ أنهم إذا لم يعلموا متى تكون ، كانوا على حذر منها ، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة ،